• ×
الأربعاء 15 صفر 1443 | منذ 21 ساعة
محمد الفقيه

عزاء الغرباء

محمد الفقيه

 1  0  3078
محمد الفقيه

ليس بوسعنا أن نبقى دوماً في الضفةِ الأخرى من فهم الحقائق ومفاهيم الحياة، علينا أن نمضي قليلاً نحو العقل ؛ حتى لا تستولي عواطفنا على تفاصيلنا، إذا أردنا أن نكون منصفين في فهم كل مايدور حولنا ، علينا أن نتجرّدَ من العاطفة ونغوص كثيراً في إعمال العقل، نحن ندرك أن كورونا لاتبقي ولاتذر ، وقلما نجد بيتاً لم تضرب أركانه أو تمسّ بمخالبها جدرانه، ولكن مما يؤسف أننا مازلنا نتعامل معها وكأنها زائر خفيف الظل ، سيعبر ليلقي علينا السلام ثم ينصرف، نحن مازلنا نتعامل مع كثير من المواقف في (زمن الكورونا) وكأننا في بُعد زمني آخر، لا نتقن الخوف من آثار مواقفنا التي ربما تجلب الموت لنا ولأحبتنا، سأتجاوز كل التفاصيل ، وسأمضي بكم إلى المقابر التي نلقي فيها آخر نظرات الوداع لأحبابنا، المجاردة لم يمر عليها منذ عقودٍ أيامٌ كهذه في وداع الأحبة ودفنهم - رحمهم الله- فالمشاهد التي نلمحها في المقابر ، وتكدّس الناس، وتزاحمهم ، واختلاطهم ، وتقاربهم من بعضهم ، مؤشرٌ مرعب في نقل العدوى ، وربما لو استمر الحال هكذا ، لن تتوقف جرافات حفر القبور في مقابرنا، نحن لسنا بحاجة لكل هذا الصخب في المقابر ، ولسنا بحاجة كي نقدّم واجبَ العزاءِ أن نتجمّعَ بهذه الأعداد المهولة ؛ حتى نثبت أننا أوفياء في زمن الموت، هنالك موت خفي يتسلل بيننا لا نعرف أين وجهته! اليوم لمحتُ وجوهاً لا أعرفها، وسمعتُ أحاديثَ تدور بلطفٍ بين المتكدسين دون تباعد ، عبَرتْ من أمامي أجسادٌ لم أرها منذ زمن ، الناسُ لايُرى منهم سوى أعينهم، والمكلومون بالفقد يصطفون وهم (مكممون) ولا أحد يعرف أحد ! سوى أصوات تمر دون عناق ، أو مصافحة ، أو سلام ، لتقول ( أحسن الله عزاءكم) ، كل مافي الأمر أننا نتكدّس ،ونتجمع ، ونتحاور ، ونتقارب في المقابر ، وربما بيننا من يحمل الوباء في أنفاسه ليملأ المكان به دون أن نعرف!
نحن نعزي بأعيننا ولا يُعرف من حضر ، ولا نَعرف حتى الواقفين الذين أجبروا على الوقوف لنا ؛ من أجل تلقّي العزاء في فقيدهم ، ولأن العادات هزمت العقل والمنطق ، بتنا لا نفكر إلا بعاطفة متهالكة ، تجبرنا على أن نبقى وقوفاً في المقابر تدور بيننا وشوشة الأحاديث، لتقودنا فيها الأقدام إلى الخروج من المقبرة بصمت!
هذه الرحلة المعقدة ، وهذا الكسر لكل الاحترازات في المقابر ، ألا نكتفي بتقديم العزاء هاتفياً أو بالرسائل أو عند الالتقاء بأهل الفقيد في الأماكن العامة؟
لماذا نتجاهل العقل ونصغي كثيراً لعواطفنا ، رغم أننا ندرك أن تلك العواطف قد تجعل أذرع المقابر مفتوحة دون أن تغلق في زمن الكورونا بسبب رعونة مواقفنا!
علينا أن ننصت قليلاً للعقل ، علينا أن نغلّب رائحة الموت على استهتارنا، حينما نقدّم العزاء هاتفياً لا يعني أننا مقصرون ، وحينما نترحّم على أحبتنا في رسالة تصل ذوي الفقيد ، لا يعني أننا لا نتقن فن العزاء ، ولا نجيد الاصطفاف كغيرنا في المقابر التي ربما سنخرج منها وفي أجسادنا شيءٌ من مخالب كورونا، ولكن نحن لا نريد عزاءً كالغرباء ربما يحمل الموت في طياته لأحبتنا ، ولا نريد تجمهراً كهذا ، ربما تبقى المقابر فيه مفتوحة أذرعها لنا دون توقف.
تخلّوا عن عاداتكم فقط في (زمن الموت) وفكّروا بعمق يا سادة.
(الله يحجب عليكم)

محمد الفقيه الشهري
كاتب وأديب


بواسطة : محمد الفقيه
 1  0
التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    محمد الشهري 11-11-1442 07:23 صباحاً

    تسلم اناملك ابدعت ايها المبدع ليت هناك من يسمع الكلام

أكثر

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:04 مساءً الأربعاء 15 صفر 1443.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها