• ×
الإثنين 12 جمادى الثاني 1442 | منذ 4 ساعة
معيض الشهري

نحن والكتاب ( اليقين أم الوعي )

معيض الشهري

 0  0  888
معيض الشهري

لا يمكن للوثوقية أن تصنع حضارة، لأنها لا يمكن أن تصنع وعيا ... الوعي هو ابن التساؤل الحائر المتشكك الذي لا ينتهي إلى يقين إلا لينقضه بيقين ملغوم بأسئلة النقض والتفكيك، مما يعني أن الوعي ليس أكثر من رحلة وعي لا خاتمة يقين .
إن صناعة الحضارة ليست كصناعة الإمبراطوريات العظمى، فالأولى إرادة حياة بينما الثانية هي إرادة الموت .
والإمبراطوريات تحتاج إلى اليقين لأنه لايمكنها أن تحشد الملايين دون حشو قلوبهم و عقولهم باليقين المطلق، بصرف النظر عن مصدر هذا اليقين وبصرف النظر عن كونه حقيقة أم وهما من الأوهام.
أما الحضارة الحقيقية فلا تبنى على اليقين، لأن تحقق اليقين يعني نهاية البحث وإدعاء الوصول إلى الهدف، ومن يدعي الوصول فلن يتكلف عناء المسير، ويصبح المسير في مثل هذه الحال يعني تجاوز الهدف إلى فضاءات التيه والضلال.
وإذا كان المقروء الثقافي هو من يشكل وعي الإنسان - الإنسان القارئ- فمن الخطر أن يكون ذلك المقروء مجرد أداة شحن للوعي بتصورات مغلوطة عن الذات وعن الآخر وعن الوجود، وتكون أشد خطرا كلما كانت متخمة باليقين الجازم الذي لا يسمح بفحصه فضلا عن نقضه ونقده وتفكيكه.
إن القارئ النوعي اليوم هو من يتجاوز المنتج المستهلك إلى عالم الفكر المتسائل بلا حدود ، إلى حيث القضايا الشائكة والإشكالات الجدلية التي تشعله قلقا وتبعده عن سكونية اليقين الموهوم، سواء كانت قراءاته في الفلسفة أو الدين أو السياسة أو الاجتماع .
إن هذا الاتجاه القرائي الذي لا يبحث عن اليقين بل عن نهايات اليقين، ولا يهتم بعالم الأجوبة الجاهزة بقدر ما ما يهتم بعالم الأسئلة، هو البوصلة التي تشير إلى هوية العقل الراهن والمستقبلي، وهو دليل أمل بدايات الوعي الذي سيبعث الأسئلة الملتهبة في كل مستودعات اليقين والتي اقتات عليها خطاب الجهل والتجهيل منذ قرون .
وهذا الإتجاه الإيجابي والذي سيتحول معه الوعي من عالم الإجابات المقفلة إلى عالم الأسئلة المفتوحة، سيتوارى أمامه من يهاجم المعرفة ويتخذها عدوا، بل سيصبحون من الماضي الذي نتذكره بألم وامتعاض كما يتذكر الغرب اليوم زمن العصور الوسطى.
وحتى لا نهدر الوقت ينبغي اختيار الكتاب النوعي الذي لا يخلق الإنسان المتذكر بل الإنسان المتفكر، ولنكن على حذر من أولئك الأوصياء الذين يعتبرون أن الناس مازالوا تحت سن الرشد أي تحت وصايتهم، ولذلك فهم القادرون على تمييز الكتاب الخطر من الكتاب النافع ، و هم وحدهم من يحق له أن يقرأ أي شيء، لأنهم محصنون عن الزيغ والضلال ، فلا يؤثر فيهم أي كتاب ولا تستفزهم أي معرفة ...
وما تلك الحصانة في الحقيقة إلا لأنهم لا يقرؤون ليستفيدوا ولا ليتحاوروا مع أسئلة الكتاب وإشكالاته، وإنما ليطلعوا فقط على الخطر الذي يظنونه فيه، ثم يتفرغوا لتحذير عامة الناس منه، إذ الناس في نظرهم كلهم عامة سوقه، أو مجرد رعية وهم الرعاة، وعليهم أن يسوقوهم حيثما يشاؤون .

كتبة أ / معيض بن سالم الشهري
٢٩ / ٥ / ١٤٤٢ هـ


 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:20 صباحاً الإثنين 12 جمادى الثاني 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها