• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 12:14 مساءً , الثلاثاء 6 محرم 1439 / 26 سبتمبر 2017 | آخر تحديث: اليوم

{{ العاقل.... لا ينتقص من المرأة }} يومك ياوطن يوم عز وفخر نرفع فيه رؤوسنا بين الأمم درة الأوطان (عذرا ياوطن..عذرا سلمان الحزم) حراك ، ام عراك {{ عذراً .... إليك يا وطني }} قينان والوزير وألم الحقيقة طريق الموت ( ثربان ) فخور بوطني ألمع تستقطب السياحه عن أبها

للعيد إشراقة غابت

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
(للعيدِ إشراقةٌ , غابتْ)
أتذكّرُ قبلَ ثلاثةِ عقودٍ ملامحَ الاحتفاءِ بالعيد حين كُنّا صِغَاراً وكيف كانت مواسمُ الفرح تسكننا قبل أن يأتي نبأ إعلان العيد في تلفازٍ لا يتضح منه إلا صوت متقطع وشاشة أكثر ما يتماوج فوقها اللونان الأبيض والأسود ولكنّ عَبَقَ الحياة كان يشي بسعادة تغمرنا قبل موعد العيد بثلاثِ ليالٍ أو أكثر نرتّبُ في زواياها للفرح موعداً لا يعرف الذبول , ونرسم فوق جبينها تراتيلَ لأناشيدِ السعادة قبل هطولها , فمن أين نبدأ نهارنا , وكيف نرتدي كسوة العيد , وكيف تشرق الشمس في خطوط ثيابنا , كل هذه الهتافات التي تقتحم سطوة الفرح في أنفاسنا لا تضيع في زحمة الأماكن التي تستقطب الناس من أجل (مكاسي العيد) ففي زماننا كانت الوِجْهَةُ الوحيدةُ لجموع الناس لا تتعدى إما الباعةً الجائلين أو نقطة التسوق الأكثر ازدحاماً آنذاك سوق الاثنين , ففي جنباته تكْمُنُ التظاهرة الأكثر اتساعاً قبل العيد , فتلمحُ أصحابَ الملابس الجاهزة قد علّقوا ثياباً للأطفال وللكبار فوق زوايا (العريش) فالدكان فيه لا يتجاوز عريشاً يصنعه البائع بنفسه فيغطيه بالقش أو سَعَفِ النخيل فيصبح مصدراً للرزق فهو بمثابة الوجهة الأولى وقتذاك لمن يبحث عن الأناقة أو التميز, فلم يكن في زماننا إلا خيارين إما أن تأخذ ملابسَكَ مما يُنْثَرُ أمامَكَ من ثياب جاهزة باختيارك أو ترتدي ما يختاره لك والدك الذي ترتعد فرائصك من نظراته إن طال انتقالك بين عريشٍ إلى آخر , فكنا لا نعرف إلا طريقاً واحدةً نمتطي فيها خيالاتنا للعبور إلى فرحة العيد فلا شيء يُعدُّ في نظرنا أكثر جمالاً ورونقاً من ارتداء ثوبٍ جاهزٍ فُصِّلتْ مقاساته لجسدٍ لا يُعرَف صاحبه أو مُرتديه ولكنها الأقدار التي تسوقه إليك فقد يَصْلُحُ لك ولا يَصْلُحُ لغيرك فميثاقُ الفرحِ الذي وقعّتَهُ مع مشاعرك يجعلك بأن تكون راضياً بكل ألوان البهجة مهما كانت سماتها أو ثمنها , وهكذا نظل نمضي في جنبات (العِرْشَان) في سوق الاثنين حتى نجد ما يروق لنا أو ما يروق لآبائنا فليس لديك القرار أن تقبل أو ترفض فكل شيء يتم دون الرجوع لذائقتك , ولكن سُرْعَانَ ما تذوب تلك الغُصّة في داخلك حين تعود إلى بيتٍ قد كُسيت جنباته بالحجارة يتوسطه (الزافر) _ عمود من الخشب القوي يتوسط البيت ليحمي سقفه من السقوط ـ فبساطة البيت وثياب العيد ورائحة البخور والتكبيرات التي تصدح منذ الفجر مع صياح ديكٍ فوقَ السورِ المجاور للبيت كل هذه الإشراقة المبهرة للبساطة في داخلنا كانت تمنحنا شعوراً مختلفاً بأن العيدَ هو فتحٌ من فتوحات السعادة التي تُقلّم أظفار الحقد والكراهية في نفوس الناس فكل أبواب النقاء مُشْرَعة في أوردتنا فلا أحد يخبئ في داخله كُرْهَاً أو قطيعةً لصديقٍ أو جارٍ أو قريب , فالعيد جَمْهَرةٌ للفرح قد لا تتكرر مرة أخرى , فلا مجال في حسابات الزمن الجميل أن تبقى النفوسُ مضرّجةً بما لطّخته الأيام من سوءٍ أو كُرْهٍ أو تخاصم.
ففي صبيحة العيد تشعُّ كل معاني المحبة المغسولة ببريق الفرح في خطواتنا وهي تختال نشوة نحو المشهد (مصلى العيد) لتتلّمسَ الصباحَ الأولَ من صباحات الفرح , فالناس يسيرون والتكبيرات تزف صباحهم نحو ألقِ العيدِ وبهجتِه فلا شيء يخترق لون البياض فوق أجساد الناس إلا تزاحم الشمس في جنبات المشهد بعد انقضاء صلاة العيد فلحظة العناق التي تجوب أكُفَّ الناس مشهدٌ يطول شغفه بين المهنئين , وتمتلئ به مساحات النقاء في أرواح المعايدين , وهكذا نظلُّ يد تصافح ويد تعانق حتى تسوقُنَا الخُطى نحو بيوتنا , فعند عتبات الدار نلمحُ العيد قد داعبَ براحتيه كل شيء وتَعَانَقَ في رسم سواقي الفرح مع الريحان والوزاب والشذاب التي انتدبها العيد لتطوف برائحتها أقصى جنبات القرية الظامئة لرائحة العيد ونشوته ,ولكن سُرْعَانَ ما تأتي الجموع لتطوفَ المنازل بأصواتها وزخم الفرحة التي تجيء مختالة في تقاسيم خطواتها تختصرُ كل معاني الوفاء والحب بين الناس فتلك الجموع من (المعايدين) لا تغادر قبل أن تتذوّقَ من ( فِطر العيد) في كل بيتٍ تعبره أنفاس المهنئين , وما ذاك التشارك إلا صورة تعكس روح التلاحم في حياة الناس على امتداد الروابط التي تتجلّى في (زمن الطِيْبَةِ) بأنقى صور الإخاء والتسامح مجرّدة من الجفوة أو التنافر الاجتماعي , فمعالم الفرح التي تسكن كل ألوان العيد آنذاك لم تكن حالةً تفرضها سمات التقارب الوجداني فحسب بل ظاهرة موشومة برائحة السعادة التي تظلُّ ماثلة بذات الشغف والزخم (لثلاثة أيام) فثالث أيام العيد كأول أيامه وبنفس الروح المشبوبة بالتقارب والتلاحم , فالعيد يبقى حتى في الليل يعطّر مساءاتنا نستعذب ليلَهُ كما هو حال الصباح فلا تنطفئ المشاعر ولا تخفُت خطوات الأحبة في الزيارة وبث روح الفرحة في كل بيت.
هكذا كان عيدُنا وهكذا كانت أوراق النشوة التي تسطّر في جوف السعادة عبق لا تشوّه جنباته غُصّة القطيعة أو التباعد بين الناس , أما الآن وبعد ثلاثة عقود فبات حالنا في العيد تتبرأ منه مشاعرنا وتنأى الروح بنفسها أن تتقبّلَ ملامحَ عيدٍ ينتهي عند الحَاديَةَ عَشرَةَ من أول يومٍ لانسكاب العيد في دفاتر الفرح المسلوب منّا, فالوصل بين الناس قد بات حبيساً بين اتصال ٍ هاتفيٍّ أو رسالةٍ عابرةٍ نُسِخَتْ من عشرات الرسائل التي تعوم في هواتفنا ليُعاد إرسالها إلى صديقٍ أو قريبٍ خاليةً من روح المشاعر الصادقة النقية مبتورةً من أنفاس العناق بين الجار وجاره وربما حتى بين الأخ وأخيه , فلم يعد للعيد سمة التلاحم والتواد والتقارب فعيدُنا اليومَ بات موجوعاً بتراكمات الزمن وبخلافات باهتة غطّت بشحوبها كل أهزوجةٍ تمتد للفرح في عيدنا , حتى بات أكبر انكسار يواجهنا في نهار العيد تلك اللحظات التي تجتاحنا بعد ظهيرة أول أيام العيد فالملل يطل برأسهِ والتعب يُخيّم بآلامه في مفاصل أجسادنا وكأن العيد بات هماً وشقاءً , فكل هذه الجفوة التي بيننا وبين العيد هي التي غيّرت بريق الفرح وجماله في حياتنا فالزمن وإن تغيّر أو اختلف فليس من حقنا أن نتغيّرَ نحن في مشاعرنا تجاه العيد وعذوبته , وليس من حقنا أن نُبْقي الجفاء بيننا وبين أحبتنا نابضاً مستعراً حتى في نهار العيد !
فإن أُحُكِمت منازلنا بأسقُفٍ من حديد فليس لنا الحق أن نُغْلقَ قلوبنا بذات الأسقف الحديدية أو بتلك الجدران الخرسانية التي تطوّق منازلنا , فالعيد إن لم نعشه بذات البراءة التي تجوبُ قلوبَ الأطفال وخُطاهم فلن نستعذبَ بهجةً للعيد ولا حتى إشراقةً وامضة بالدفء في صباحاته , فكل ما نحلمُ به في العيد أن نَفُكَّ أسْرَ مشاعرنا ونُطْلِقَ للنبض أرتال الحب والنقاء كي نملأ العيدَ بفرحةٍ تشبه لو قليلاً ذات الملامح لعيدِنا أيام الزمن الجميل.

محمد الشهري
عضو الاتحاد العربي للكتّاب والأدباء والمثقفين العرب


بواسطة : خاط
 1  0  1320
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:14 مساءً الثلاثاء 6 محرم 1439 / 26 سبتمبر 2017.