• ×
الثلاثاء 14 صفر 1440 | أمس
الشاعر والاديب محمد الشهري

شهداؤنا

(شهداؤنا)
صناعة الكوارث والمصائب فنٌ شيطانيٌ لا يتقنه ببراعة إلا أولئك الذين عقدوا شراكة شيطانية مع عقولهم المريضة وأرواحهم الممتلئة برائحة الموت والقتل, فالفاجعة التي مرّت من بين طرقاتنا وشوارعنا والتي امتدت إلى رجالِ أمننا البواسل قد أحدثت جُرحاً وألماً تمدد في خارطة الوطن بأكمله, وهي الوجعُ الأكثر إيلاماً في تهامة كلها منذ عقود, فالجنود الأوفياء لأمن وطنهم امتدت إليهم يدٌ غادرة تخلّت عن الأخلاق والقيم والإنسانية دون أن تدرك هذه اليد الغادرة أن هؤلاء الذين سُكبت دماؤهم في طرقات (المجاردة) هم اليد التي تلجم العابثين وتحاصر عبثهم قبل أن يتكاثر في شوارعنا, عبدالله غازي وصالح العمري وأحمد إبراهيم عسيري, قدموا أرواحهم دون أن نشعر, وسُكِبت دماؤهم دون أن نفهم ماذا يعني أن للوطن رجال تواجه الموت ونحن نيام, معركة قاتلة , ويد غادرة , ولحظات مريرة , وتضحيات لن تزول من ذاكرة المجد والبطولات , ستبقى خالدة تلك الأسماء وسنظل نرددها للنشء بكل فخر واعتزاز.
ولكن كيف حدث ذلك.؟
نحن ندرك جيداً أن القاتلَ الذي جلب الموت إلى (الثلاثة الأبطال) هو متمرسٌ على أداء مهنة القتل ربما حتى في الخفاء , ولكن أن يمارس العِداء والعزلة والدموية دون أن تشيرَ إليه أيدٍ أو يكتشفه أحدٌ من أقاربه هنا يجب أن نعيد قراءة المشهد الأسري والاجتماعي أكثر دقة ومسئولية, فلن يُقبَلَ منّا حين تحدث الفواجع والكوارث أن نتنصلَ ممن قام بدور الموت والقتل بمجرد أن نكتب بلغة الاستنكار والبراءة من القتلة والمجرمين, فالدور الحقيقي والمسئولية الوطنية لا تعني تهذيب المفردات والكلمات التي تعزفُ الوطنَ كلحنٍ لا يستفيق إلا في لحظة المصائب حين تمس بأكفها أمن الوطن وحدوده , فالقاتلُ يعيش في محيطه الاجتماعي والقبلي وحين يمارس سلوكاً شاذاً في تعامله مع مجتمعه يجب أن ندرك أن هؤلاء هم مشاريع قتلة ومجرمين وربما يتسبب في تركهم دون رقابة أو ملاحقة إلى كارثة يهتز منها الوطن بأكمله كما حدث في طريق (العرقوب), حينها نستشعرُ أن الدور القبلي غائب في متابعة (بعض) أفراد القبيلة الذين أثخنوا جسد الوطن ألماً وجراحاً منذ عقدين من الزمن, أ ليس الدور الوطني المناط (بشيخ القبيلة) هو العامل الأساس في متابعة أبناء قبيلته والوقوف على الوعي الاجتماعي والحس الوطني لديهم؟ دون تركهم في عزلتهم القاتلة والتي قد تضع خنجرَ الغدرِ في خاصرة الوطن في أي لحظة!
شيوخ القبائل الأفاضل , إن الوطنيةَ يا سادة لا تعني أن تتحرك تلك الوفود بمركباتها الفارهة لعقد اللقاءات والولائم والسجالات الاجتماعية دون أن تعي أن الاهتمام بأبناء القبيلة ومتابعة فكرهم ووعيهم ومدى نتاجهم العملي لوطنهم هو القيمة الأهم في منظومة العمل القبلي , أما ذلك (الهوس) في ملاحقة الأضواء وفلاشات الصور فهو ليس واجباً وطنياً خارقاً للعادة , ونحن لسنا بحاجة لفهم العلاقات الاجتماعية بين تلك الوفود, بل نحن بحاجة إلى تحقيق المهنية العملية التي تضع القبيلة في سياقها الوطني الحقيقي من خلال متابعة (بعض) العقول الممتلئة بالقتل والتي قد تمتد مرة أخرى إلى جنودنا , وحين تقع الفاجعة لا سمح الله
لن تنفع لغة الشجب والاستنكار والتبرؤ من القاتل , وبمجرد أن يبردَ الألمُ والجُرحُ تعود الوفود القبلية إلى أمجادها وبطولاتها بين الولائم وفلاشات الصور, ويبقى الوطن (وحده) يلاحق أبناء القبائل المارقين..!
(همسة وفاء)
إلى سعادة المهندس عبدالله الشمراني رئيس بلدية المجاردة , الشهداء عبدالله غازي وصالح العمري وأحمد إبراهيم عسيري , التكريم الحقيقي لهؤلاء الشهداء هو تسمية الشوارع الرئيسة في المحافظة بأسمائهم فقد سطّروا أنفس التضحيات التي تستحق أن تبقى خالدة للأجيال.

محمد الفقيه الشهري
كاتب وأديب

 0  0  2217
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد المقالات

خلال هذه الأزمة التي يمر بها وطننا بسبب أناس أساءوا استعمال السلطة فأساءوا لوطنهم وحاولوا التكتم...

في أكتوبر من عام 1973 اتخذ الملك فيصل خطوته التاريخية في دعوته لاجتماع (الأوبك) وإقرار...

في شخصية كل إنسان مركز جذب للآخرين، مركز الجذب هذا هو سر شخصيته، وهي الهبة الفطرية التي تجعل له...

عندما كان الكاتب جمال خاشقجي مواطناً صالحاً كنا نتابع مقالاته بشغف في كثير من الصحف المحلية ,...

الإبصار فعل غريزي لذلك هو يختلف من فرد لآخر ومن بيئة لأخرى، لكن العمى كالخوف فعل غريزي يطلب من...

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:54 صباحاً الثلاثاء 14 صفر 1440.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها