• ×
السبت 9 ربيع الأول 1440 | أمس
الشاعر والاديب محمد الشهري

الشَملي .. ما بين رائحة المسك والبارود..!

*في رحلة العمر التي أمضيتها في صباي ما بين الشمَال والشمَال كنت قد مررتُ يوماً بحائل وتوقفت في (الشَملي) حيث لا صوت يعلو على صوت الكرم هنالك , فمنذ الوهلة الأولى لمصافحة (الحائلي) ينهالُ عليك بمراسم الضيافة وأدبها لتجد صعوبةً للخروج بعذرٍ يليق بكرم قلوبهم وفيض جودهم , فالناس هنالك يغرقونك كرماً منذ أن تُصافِحَ أعينَهم قبل أياديهم, فحين يلمحون الغرباءَ يعبرون قُراهم يتسابقون لإكرامهم وإسداء الخدمة لهم حتى وإن كان المارّ من بينهم عابر سبيل .

الشَملي الغافية بين جبال الشمال ورمالها والتي تمتلئ برائحة القهوة ونكهة المطر تبعد عن حائل 170 كيلو غرباً وعن الُعلا 270 كيلو هي ذاتها مدينة (جنفاء) قديماً ,المدينة الغطفانية التي حلّت بها قبائل غطفان في صدر الإسلام وبها مات الصحابي الجليل أبو الشموس البلوي رضي الله عنه. وهي ذاتها المدينة التي عسكر بها جيشٌ للخليفة العباسي (الواثق بأمر الله) كما ذكر ذلك المؤرخ الشامي ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) وهي ذاتها المدينة التي تغزّل فيها الشعراء ولملموا الشِعْرَ من رمالها ونثروه فوق روابيها كالمسك. وبعد مئات السنين من التحولات التاريخية التي مرت بها جزيرة العرب أصبحت (الشملي) موطناً لقبيلة (عنزة) المعروفة بنقاء أهلها وجودهم وصفاء قلوبهم , وهي ذاتها المدينة التي هزّت الوطن العربي في صباح عيد الأضحى بجريمة لم يتجاوز مشهدها المصور الدقيقة والنصف.ولكن كانت تلك الدقيقة كفيلة بكشف السياق الإجرامي الذي يتبناه التنظيم الإجرامي (داعش) حين استطاع أن يصل بنا إلى سحق المكوّن الأسري الواحد وسفك دم من لا تتوافق عقيدتهم الإجرامية مع توجهاته وولائه ووطنيته, فانعدام الثقة بين أبناء العمومة والأقارب هي ملامح أخرى وطرق مبتكرة خطت داعش بها وجهاً آخر لشق الصف وحلحلة البيت الواحد فقد استطاع التنظيم الإجرامي أن يجند داعشياً يظهر فجأة ليسفك الدم بذريعة المبايعة والولاء ودون سوابق أو ميول للتدين أو حتى ملامح تظهر سمة التأثر بهذا التنظيم (الكهنوتي) ليطل لنا في صباح العيد مجرم تظهر ملامح (الدرباوية) على وجهه أكثر من أثر السجود في جبهته , ولكنه التنظيم الدموي حين يقرر الموت لا يعرف سوى رائحة الدم وبأدوات مختلفة فهذه المرة قرر أن يجنّد شاباً لا أحد يشك أنه داعشي ولو التقى به أحدنا في مكان عام لم يتبادر إلى أذهاننا أن هذا الشاب مجرد (دويعشي) صغير تربى من خلف شاشة حاسوبه على طعم الدم والتلذذ به ليهز مشاعر وطن بأكمله في يوم العيد وكأن داعش قررت أن تنحر مسلماً موحداً بدلاً من نحر الأضحية لتقدم (مدوس العنزي) قرباناً لشيطانهم القابع في سراديب الجريمة والخداع.!

هي القصة الشيطانية التي نفّذ (الداعشي الدرباوي) تفاصيلها وأدى المشهد ببراعة المجرم المتلذذ بانسكاب الدم دون أن يُلقي لنداءات الاستغاثة التي يستنجد بها صديق الطفولة (مدوس) وجليس الساعة الأخيرة قبل موعد الجريمة البشعة أي اعتبار وكأن النداء لا يعنيه والصوت الذي يصهل بكلمة (تكفى) لم يكن قبل ساعات من الجريمة حين خطّوا طريق (البر) هو من كان يحدّث (الأخوين داعش) ويجالسهم وتتعالى ضحكاته بينهم . ولكنه الفجور الداعشي المنسلخ من القيم والمبادئ حين يتربى في كنف الجريمة وعوالمها فسرعان ما يكبر ويتنامى ليصبح قاتلاً بامتياز حتى وإن كان (درباوي) الملامح وفوضوي الحديث فهذا لا يهم فالهدف أكبر من المظهر والتقية الدينية لأن زرع الفتنة والقتل وسفك أرواح الناس أسمى من الملامح طالما وجد التنظيم الإجرامي ضالته في شاب لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره ليكون هو الأداة التي تطلق رصاصة الجريمة وبإتقان تشرّب قبلها من خلف حاسوبه إما (قناعة) أو (سحراً) عقيدة داعشية تعتبر كل مواطن سعودي هو مرتد وكافر طالما أنه لم يقدم بيعة الفسوق لبعثي تمرّغ كثيراً في ملاهي (الجبيهة) وأصبح إماماً وأميراً للقتل ونشر ثقافة الموت في وطننا العربي !

**ندرك جيداً أن المشروع الداعشي قد وضع صغار أبنائنا في حساباته وقد رتّب لهم الأمر جيداً ولكن المفزع فيما يحدث هو أننا أمام نقلة خطيرة في توجههم المظهري والعقلي , فالذي نفذ جريمة (الشملي) لم تظهر في ملامحه الصورة المألوفة لمجرمي داعش وهنا تكمن الخطورة فقد يكون بيننا داعشي ينفذ مخططه بصمت ويستقي تعاليم الجريمة وطريقة تنفيذها من خلف حاسوبه وهو بيننا ويسير في طرقاتنا ويلف شماغه على الطريقة (الدرباوية) ودون أن يعتاد الذهاب للمساجد أو حتى يقصر ثوبه , وقد نصحو مع فجر يومٍ ما على جريمة أخرى ومع مجرم آخر يذهب ضحيةً له أخٌ أو أبٌ أو قريبٌ قد يكون يوماً ما هو من أهدى للداعشي (حاسوباً) ليتسلّى به أو يقضي وقتاً أمام شاشته وبالتالي نصبح ضحايا لهم من حيث لا ندري , فحتى ننفذ بأبنائنا من هذه الدائرة المظلمة وقبل أن نكون مقيدين أمامهم وهم يتلون خطاب (البيعة) لشيطانهم قبل موعد الرصاصة الأخيرة علينا أن نجالس أبنائنا ونحاصر عقولهم فكرياً حين تشذ تلك العقول نحو الهاوية السوداء ونعزز روح الولاء لقادتنا وولاة أمرنا والبعد عن مظاهر النقد التي نستحضرها أمام أبنائنا تجاه الوطن فحين نمارس جلد الفساد أو بعض جوانب القصور أمامهم فنحن نغذي بداخلهم روح الانتقام والسطوة نحو الجريمة لنجد بعدها شاباً قد سلّم عقله لمواقع التواصل الاجتماعي فيحتويه مجرمٌ يربّي بداخله روح العداء تجاه الوطن وقادته ومقدراته حينها نكون نحن الضحية الأخرى التي تسنّ لها السكين دون أن نعلم , فربما هنالك في الطرف المقابل مجرمٌ يمارس غسل دماغه وتلقينه قصة أخرى لجريمة قادمة قد أُعدت لها أدوات القتل وتفاصيلها وطريقة إخراجها حينها لن تجدي عبارة (تكفى يا ولدي أنا أبوك) !

الشاعر والاديب محمد الفقيه

 0  0  1719
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد المقالات

الصحفي البحريني محمد العرب .. المراسل الحربي لقناتي العربية والحدث سابقاً .. ولقناة سكاي نيوز...

حين حذر الدفاع المدني من الحالة المطرية التي ستمر بها المملكه في حينها تم تعليق الدراسة للطلاب...

التطوع هدف رؤية 2030، والعمل التطوعي خضع لاستغلال طاقات الشباب في الأعمال الغير إنسانية كتنظيم...

لو كل إنسان طبق قواعد فن التعامل مع بيئته الخاصة والعامة، لتجاوزنا الكثير من المشاكل والخلافات،...

حين كشف الستار عن أول خيوط القضية التي كانت قد حدثت بين جدران قنصلية السعوديه في اسطنبول التركية،...

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:57 مساءً السبت 9 ربيع الأول 1440.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها