• ×
الأربعاء 15 جمادي الثاني 1440 | أمس
عبدالله الخشرمي

نشأة الصعلكة في الجاهلية

عاش العرب قبل الميلاد على هيئة جماعات منظمة ،تحترف الزراعة والرعي والصيد ،وشكّلوا العرق السّامي الذي أظهر قدرته على الاحتفاظ بالكثير من الخصائص الدينية واللغوية المشتركة ،ونظراً لأتساع الجزيرة العربية جغرافياً ،وتفاوت طبيعتها ،وتباعد مواردها المائية ،كان للبيئة دور في صعوبة استمرار العرب تحت حكومة موحدة مما دفع السكّان إلى الهجرة تدريجيا باتجاه الشمال ،بسبب قلة الأمطار ،وجفاف الأنهار ،بعد أن كانت أكثر إغراء للعيش فيها من العراق والشام.

عرف التاريخ هجرات القبائل السامية ،وأطلقت كل قبيلة منها اسما تسمت به ،فكان أول ظهور تاريخي لكلمة عرب في معركة قرقر سنة 853 ق.م ،وأُطلق في البداية على سكان الشمال ،ثم توالى ذكر العرب في النصوص التاريخية حتى شمل سكان جنوب الجزيرة بعد ان قسّم المؤرخون المسلمون أصول العرب إلى ثلاث طبقات :العرب العاربة والعرب المستعربة والعرب البائدة ،وتلك التقسيمات -بالإضافة إلى تسمية عدنانيين وقحطانيين- لم تكن موجودة قبل الإسلام ،ولم يعرفها الأدب الجاهلي ،وإنما وجدت بعد الاسلام في الفترة الأموية.

كذلك كلمة عربي ،لم يعرفوها البتة ،ففي كل النصوص القديمة تعني البدوي ،سواء كان في صحراء الجزيرة أم في صحراء شمال أفريقيا ،فالشماليون وهم سكان شمال الجزيرة العربية ،كانوا يعتقدون أنهم ابناء اسماعيل عليه السلام ،وتسموا بالعرب ،أما اليمنيون ،وهم سكان جنوب الجزيرة ،فقد تسموا بالساميين وكانوا يعتقدون أنهم أبناء آلهتهم ،فنجد أن القضية التي كنا نريد الحديث عنها -وهي الصعلكة في الجاهلية- لم تنشأ في مناطق العرب كافة ،لكنها نشأت في منطقة ما.!

في جزيرة العرب (سواء شأم ويمن) كان النسب هو المحدد الأوحد لمكانة الفرد ،فمن ولد في عشيرة كثيرة العدد ،ومنها أعيان المدينة ،هو عزيز ومنيع ،أما من كان من عشيرة صغيرة ،وليس لها أعيان متّبعون -لكن فيهم المشورة- هو حُر لكن ليس بعزيز ولا منيع ،فلا يتجرأ من هو حُر على من هو عزيز ينتمي إلى عشائر أقوى ،وإلاّ تعرّض لأشد العقوبات من العشيرة العزيزة ،وحتمًا لا تستطيع عشيرته حمايته وإلاّ تعرضت هي الأخرى لما تكره.

أما الأحلاف وهم الوافدون ،فكانت مكانتهم أقل من الأحرار ،فهم إما خلعاء من عشائرهم الأصلية ،أو أقاموا بين العشائر العزيزة والحُرة لأسباب أخرى ،ويربطون أنفسهم مع من نزلوا عنده بمنزلة الكفيل ،ويقال فلان مولى فلان ،وهو في حماية أحد الأفراد من عشيرة تلك المدينة ،وأما العبيد فمكانتهم منحطة جدًا ،لا حقوق لهم على الإطلاق ،بالإضافة إلى استغلالهم للعمل في الأمور التي يأنف منها اصحاب النسب من الأعزاء والأحرار ،فنجد أن القضية التي كنا نريد الحديث عنها لم تنشأ في جميع المجتمعات العربية ،لكنها نشأت في مجتمع ما.!

وقبيل الاسلام انهارت ثلاث دول عربية قديمة ،هي مملكة حمير 525م ،ومملكة الغساسنة 583م ،ومملكة المناذرة 609م. وكانت كل واحدة منها تؤلف دولة تحكم أراضيها ،وتمد سيطرتها على مناطق أخرى بواسطة قبائل تحكمها بشكل مباشر ،ويكون إستتباع هذه القبائل ،بتبادل المصالح ،فتوفّر الدول المال للقبائل مقابل الحفاظ على طرق التجارة من قطاع الطرق ،سواءً بواسطة الصعاليك الخلعاء ،أو حتى بواسطة القبائل القوية التي لم تكن تنظر لهذا العمل على أنه جريمة بل محلّ فخر ،حيث يحصل قاطع الطريق على المال لأهله وعشيرته من قوم لا تربطه بهم صلة دم أو دين.

كانت القبائل -الكبيرة والصغيرة- المحكومة من قبل تلك الدول تشترك معها في حروبها ،فنجد أن هذه القبائل تحاربت وتوحدت مرارًا عبر التاريخ ،وكان لسقوط هذه الدول القوية قبيل البعثة النبوية إيذانا بحالة من عدم الاستقرار والحروب الشرسة بين تلك القبائل التي لا تجد غير العنف لفرض هيبتها ،فلو أحس الآخرون منها ضعفًا ،لاستخفوا بها وهاجموها ،حتى ترسخت هذه المعطيات على شكل قيم متوارثة ،يقول في ذلك الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى : ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم.

اصطلاحاً يطلق العهد الجاهلي على حال العرب قبل الإسلام تمييزاً وتفريقاً عن العهد الإسلامي بعد البعثة النبوية ،لم يكن هناك دين يوحدهم في الجاهلية ،منهم من يدين بالنصرانية -وهم قلة- ومنهم من يدين باليهودية وغيرها من الأديان والملل المتفرقة هنا وهناك ،كانت حياتهم تعتمد على الطابع القبلي الأقل استقرارًا من الحياة الملكية.

كان يمكن للحروب أن تنشب بين القبائل بشكل مستمر ولمختلف الأسباب ،سواء لأسباب اقتصادية أم دفاعية للحماية من اللصوص ،أو من أجل الشرف ودفع الظلم ،مما يولد حروبا مستمرة توقدها نار الثأر ،لذا نجد القبائل تقاتل بعضها بعضًا من أجل العيش في حالة فوضوية يرثى لها ،في عصبية دموية شديدة جامحة ،أساسها جاهلياً تمثله الجملة المأثورة عن العرب انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ،فكانوا يتناصرون ظالمين أو مظلومين ،فنجد أن القضية التي كنا نريد الحديث عنها لم تنشأ في قبائل العرب كافة لكنها نشأت في قبائل ما.!

جاء الإسلام والرّق شائع في أمم الأرض كلها ،لا فرق عندهم بين أن يؤخذ الرقيق في حرب مشروعة ،أو عدوان ظالم ،أو احتيال على أخذ الحُر غدراً وخيانة وأكل ثمنه ،وينسب العبد إلى أمُّه الجارية ،ويجوز لسيد الجارية الاستمتاع بها ما لم تكن متزوجة أو محرمة عليه بنسب أو سبب ،ويترتب على وطء الأمَة أحكام جاهلية منها :أنها بولادتها منه تصبح أم ولد لا يجوز بيعها ،وتعتق بعد موت سيدها ،إلى غير ذلك من الأحكام ،وللسيد أن يزوج أمته من عبد أو من حُر إذا اجتمعت الشروط المبيحة لذلك ،والجارية مهضومة الحق في الجاهلية ،إذ كانوا يحرمونها من الميراث الذي هو حق شرعي لها ،ويرغمونها على الزواج من فلان بعينه دون أن يعطوها حق الاختيار.

كان المجتمع العربي طبقات مُسخِّرة وطبقات سوقة وعوام ،فالتفاوت الطبقى من مسلمات المجتمع العربي ،منها بيوت ترى لنفسها فضلا وامتيازاً على غيرها ،فتترفع على الناس ولا تشاركهم في عادات كثيرة ،حتى في بعض مناسك الحج ،فلا تقف بعرفات ،وتتقدم على الناس في الإفاضة والإجازة ،وتنسأ الأشهر الحرم ،وتحتكر النّفوذ والمناصب العليا ،والنسيء متوارثاً بينهم يتوارثه الأبناء عن الآباء.

حين ننظر إلى فئات الناس في الجاهلية نجد أن هناك طبقات ثلاث :طبقة السادة ،وطبقة العبيد ،وطبقة الموالي. وهناك أيضاً ظاهرة أخرى نسميهم الخلعاء :أي الذي يفعل فعلاً غير شريف أو يقوم بأعمال غير كريمة ،وتحكم عليه القبيلة بالخروج عن الأعراف والتقاليد ثم تنبذه ،ومنهم الصعاليك :وهم فئة من الثأريين (القتلة) ،وقطاع طرق التجارة ،الذين خرجوا على أعراف القبيلة وتقاليدها ،ثم بدؤوا يكونون لأنفسهم معالم وفلسفات معينة.

هناك صفات سلبية أيضاً تسم الحياة الاجتماعية عند العرب ،ومن هذه الصفات السلبية شيوع الخمر ،وشيوع الربا والقمار والميسر ،كان الخمر عادة عند البعض لا يأنف منها ،حتى إنهم كانوا إذا شرب أحدهم الخمر وأدمن وأصبح سكيراً ،يحكمون عليه بالنفي من القبيلة ،أما الذي كان شائعاً عندهم هو الأخذ بالثأر ،حيث كان عادة عربية قديمة متأصلة في النفوس ،ويعّد سمة من السمات النفسية الجاهلية ،وكانوا يحرّمون على أنفسهم أشياء كثيرة حتى يؤخذ بثأر القتيل ،ولهم في ذلك صور كثيرة ،فنجد أن القضية التي كنا نريد الحديث عنها لم تنشأ في حياة جميع الثأريين في المجتمع العربي لكنها نشأت في حياة ثأري ما .!
 0  0  219
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد المقالات

كانت الكعبة قد رفعت حين غرق قوم نوح عليه السلام ،وعندما أراد الله تعالى تكرِّمة آل سعود ،أمر...

النفوق الذي يتجاوز حد معين هو إرتفاع الإيجار لكن من الذي .يستعد بأن الإيجارات بدأت ترتفع .وكل شئ...

عندما امتزجت خبرة الأجيال بعنفوان الرجال رسمت ختبة الجمال ليلة إبداع أشبه ما تكون بالخيال ليلة...

د/ محمد صالح الشهري

في المقال الذي كتبه صاحب السمو الملكي الامير تركي بن طلال أمير منطقة عسير حفظه الله تحت عنوان...

الشيخ فهد زارع العمري

القسم الثاني : قبيلة ال الدهيس : من بني كريم بن تميم بن عمرو ، وهم ست قرى ، يسكنها ست عشرة فصيلة...

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:14 صباحاً الأربعاء 15 جمادي الثاني 1440.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها