• ×
الأربعاء 15 جمادي الثاني 1440 | أمس
عبدالله الخشرمي

الأسد في معلقة زهير




مما عرف عن أبي سلمى وخاله أسعد بن الغدير وابن خاله كعب بن أسعد، انهم خرجوا مع ناس من بني مُرّة يغيرون على طيء، وقد أصابوا نعمًا وأموالًا كثيرة، ورجعوا حتى إنتهوا إلى أرضهم، فقال ربيعة بن رياح -وهو أبي سلمى- لخاله أسعد بن الغدير وابنه كعب "أفردا لي سهمي" فأبيا عليه ومنعاه حقه، لأنهما من بني مُرّة وهو من مُزينة، فكفّ عنهما السؤال حتى إذا جاء الليل وجاء إلى أمه قال لها "والذي يَحلفن به لتقومِن إلى بعيرٍ من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي ما تحت قرطك" فقامت أمه إلى بعير منها واعتنقت سنامه ورحلت إلى أهلها.

كان أبى سلمى غاضبًا من خاله وابن خاله وأعلن عداؤهما وخرج من بني مرّة ذاهبًا إلى مُزينة ولبث فيها حينًا، ثم إنه أقبل بمزينة مغيرًا على بني ذبيان، وقد قطع بهم مسافة طويلة حتى اقتربوا من أرض غطفان، ولكن عندما رأت مزينة أرض غطفان تطايروا منها ورجعوا عنها وتركوه وحيدًا، وحين رأى ذلك من مزينة عاد ودخل في أخواله بني مُرّة، وبقي فيهم باقي حياته.

كان رجل من عبس يسمى ورد بن حابس العبسي قد قتل هرم بن ضمضم المرّي -من ذبيان- في حرب داحس، وعبس وذبيان كلاهما من غطفان، وقال في ذلك شاعر عبس عنترة بن شداد العبسي "ولقد خشيت أن أموت ولم تكن للحرب دائرةُ على إبني ضمضمِ" وكان يقصد هرم وحصين أبناء ضمضم وذلك قبل الصلح، ثم اصطلحوا عبس وذبيان، ولكن لم يُدخل حصين بن ضمضم ثأر أخيه هرم في الصلح.

حلف حصين بن ضمضم أن لا يغسل رأسه حتى يقتل قاتل أخيه -ورد بن حابس العبسي- أو يأخذ رأسين بثأر أخيه رأس من بني عبس ورأس من بني غالب، ولم يُطلع على ذلك أحد، وقد تحمل الدّيات سيدان شريفان -من أبناء أبي حارثة من ذبيان- هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان، حتى أقبل رجل من بني عبس ورجل آخر من بني مخزوم فنزلا عند حصين بن ضمضم.

سأل حصين الرجل " ممن أنت أيها الرجل!؟" فقال الرجل أنا عبسي، فقال له من أي عبس!؟ ومازال ينتسب حتى انتسب إلى غالب، فقتله حصين، وأوفى بنذره، وأخذ بثأره، فبلغ ذلك بني عبس فركبوا لطلب الدم من الحارث أو قتله، وبلغ ذلك الحارث وهرم أبناء أبي حارثة، فأشتد عليهما الأمر، فبعث الحارثة بمائة من الإبل ومعها ابنه، وقال للرسول: "قل لهم اللّبن أحب إليكم أم أنفسكم".

أقبل الرسول على عبس وقال لهم ما قال الحارث، فقال ربيع بن زياد: "إن اخاكم قد أرسل إليكم اللّبن أحب إليكم أم ابنه تقتلونه!؟" فقالوا: "بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا فنتم الصلح." فقال زهير بن أبي سلمى معلقته الشهيرة يمتدح فيه صلح عبس وذبيان، وموقف السيدان ابناء أبي حارثة الحارث وهرم، ويلوم فيها حصين بن ضمضم وتحالفه مع الأحلاف والصعاليك وموته على ذلك.

كان حصين قد لجأ إلى الأسد، وهو وزر (أو زِر) بن جابر النبهاني الطائي، وهو قاتل عنترة بن شداد وقاهره، وهو زعيم صعاليك اشتهر بالسطو على قوافل ملك الحيرة، وهو مقاتل عنيد جدًا لا يقبل الهزيمة، وسمي بالأسد الرهيص -أو الليث الرهيص- لأنه اشتهر برعبه وشراسته، وذاع صيته في جزيرة العرب بصيد الأسود لوحده وبمفرده، وكان يعيش في منطقة أسمها الشراة بالقرب من جبل أجا في منطقة تشتهر بعيش الأسود والسباع.

يقول زهير بن أبي سلمى عن الأسد الرهيص في معلقته " لدى أسدٍ شاكي السلاحِ مقذفٍ له لبدٌ أظفارهُ لم تُقلمِ ،،جريءٍ متى يُظلم يُعاقب بظلمه سريعًا وإلا يُبدا بالظُلم يَظلمِ"، وقد أدرك الاسلام ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم مع زيد الخيل في السنة التاسعة من الهجرة، ولكنه لم يسلم وقال:" إني أرى رجلًا ليملكن رقاب العرب، والله لا أجعله يملك رقبتي أبدًا، ثم توجه إلى بلاد الشام وحلق رأسه وتنصر ومات على ذلك.

ولكن زيد الخيل أسلم وحسن اسلامه، سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم "زيد الخير" وأصبح صحابيًا جليلًا رضي الله عنه، وقد كان علمًا من أعلام الجاهلية، ومن أعظم الفرسان، وراميًا من الطراز الأول، وجميلًا من أجمل الرجال، وأتمهم خلقة، وأطولهم قامة حتى اذا ركب الفرس مسّت رجلاه الأرض.

وقد همّش التاريخ الإسلامي ذكر الأسد الرهيص كما همّش ذكر الشّنفرىَ وغيره من صعاليك الجاهلية، وذلك لعدّة أسباب: أولها أن فعلهم وشجاعتهم وفروسيتهم تتعارض مع مبادئ دين الإسلام، وثانيها أنهم كانوا يغيرون على قوافل الملوك والتجار ويسفكون الدماء ويقتلون النفس بغير حق، وثالثها أن الصعلكة في الجاهلية تعد فروسية وشجاعة بينما الصعلكة في الإسلام تعد لصوصية ودناءة.

ورابعها أن معظم مؤرخي فترة صدر الإسلام كانوا حديثي عهد بالعربية، من العجم الذين دخلوا في الاسلام، وعلموا القراءة والكتابة للصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وكتبوا في التاريخ والحروب والأنساب، وشرحوا المعلقات فكانت شروحهم تقوم على تفسير معاني المفردات وليس على تأويل النصوص ومعانيها، فنجدهم شرحوا معلقة زهير بن أبي سلمى وقبلها لامية العرب للشنفرى على أوجهٍ تختلف عن معانيها الحقيقية.
 0  0  336
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد المقالات

كانت الكعبة قد رفعت حين غرق قوم نوح عليه السلام ،وعندما أراد الله تعالى تكرِّمة آل سعود ،أمر...

النفوق الذي يتجاوز حد معين هو إرتفاع الإيجار لكن من الذي .يستعد بأن الإيجارات بدأت ترتفع .وكل شئ...

عندما امتزجت خبرة الأجيال بعنفوان الرجال رسمت ختبة الجمال ليلة إبداع أشبه ما تكون بالخيال ليلة...

د/ محمد صالح الشهري

عاش العرب قبل الميلاد على هيئة جماعات منظمة ،تحترف الزراعة والرعي والصيد ،وشكّلوا العرق السّامي...

في المقال الذي كتبه صاحب السمو الملكي الامير تركي بن طلال أمير منطقة عسير حفظه الله تحت عنوان...

الشيخ فهد زارع العمري
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:17 صباحاً الأربعاء 15 جمادي الثاني 1440.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها